الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

33

مختصر الامثل

سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لَايَسْتَكْبِرُونَ » « 1 » . « خرّوا » : في الأصل من مادة « الخرير » أي صوت الماء وأمثاله حين انحداره من مرتفع إلى منخفض ، واستعماله هذا التعبير في شأن الساجدين إشارة إلى أنّ هؤلاء ترتفع أصواتهم بالتسبيح في لحظة هويّهم إلى الأرض للسجود . لقد بيّنت في هذه الآية أربع صفات : 1 - أنّهم يسجدون بمجرد سماعهم آيات اللَّه . لقد ذكرت هذه الصفة والخاصية في سورة مريم الآية ( 58 ) كأحد أبرز صفات الأنبياء ، كما يقول اللَّه سبحانه في شأن جمع من الأنبياء العظام : « إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا » . وبالرغم من أنّ الآيات هنا ذكرت بصورة مطلقة ، ولكن من المعلوم أنّ المراد منها غالباً الآيات التي تدعو إلى التوحيد ومحاربة الشرك . 2 و 3 - فهم ينزّهون اللَّه تعالى عن النقائص من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّهم يحمدونه ويثنون عليه لصفات كماله وجماله . 4 - والصفة الأخرى لهؤلاء هي التواضع وترك كل أنواع التكبر . ثم أشارت الآية الثانية إلى أوصاف هؤلاء الأخرى ، فقالت : « تَتَجَافِى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ » « 2 » . فيقومون في الليل ، ويتّجهون إلى ربّهم ومحبوبهم ويشرعون بمناجاته وعبادته . إنّ هؤلاء يستيقظون ويحيون قدراً من الليل في حين أنّ عيون الغافلين تغطّ في نوم عميق ، وحينما تتعطّل برامج الحياة العادية ، وتقلّ المشاغل الفكرية إلى أدنى مستوى ، ويعمّ

--> ( 1 ) ينبغي الالتفات إلى أنّ الآية الأولى هي أولى السجدات الواجبة في القرآن الكريم ، وإذا ما تلاها أحد بتمامها ، أو سمعها من آخر فيجب أن يسجد . طبعاً لا يجب فيها الوضوء ، لكن يجب الاحتياط في وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه . ( 2 ) « تتجافي » : من مادة « جفا » وهي في الأصل بمعنى القطع والحمل والإبعاد ؛ و « الجنوب » : جمع جنب ، وهوالجانب ؛ و « المضاجع » : جمع مضجع ، وهو محل النوم ، وإبعاد الجانب عن محلّ النوم كناية عن النهوض من النوم والتوجّه إلى عبادة اللَّه في جوف الليل .